الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

133

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ما عدا سيبويه ؛ وإما ظرف لفعل محذوف دل عليه التقسيم الذي بعده ، أعني قوله : فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ إلى قوله : وَأَضَلُّ سَبِيلًا . وتقدير المحذوف : تتفاوت الناس وتتغابن . وبيّن تفصيل ذلك المحذوف بالتفريع بقوله : فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ إلخ . والإمام : ما يؤتم به ، أي يعمل على مثل عمله أو سيرته . والمراد به هنا مبين الدين : من دين حق للأمم المؤمنة ومن دين كفر وباطل للأمم الضالة . ومعنى دعاء الناس أن يدعى يا أمة فلان ويا أتباع فلان ، مثل : يا أمة محمد ، يا أمة موسى ، يا أمة عيسى ، ومثل : يا أمة زرادشت . ويا أمة برهما ، ويا أمة بوذا ، ومثل : يا عبدة العزى ، يا عبدة بعل ، يا عبدة نسر . والباء لتعدية فعل نَدْعُوا لأنه يتعدى بالباء ، يقال : دعوته بكنيته وتداعوا بشعارهم . وفائدة ندائهم بمتبوعيهم التعجيل بالمسرة لاتباع الهداة وبالمساءة لاتباع الغواة ، لأنهم إذا دعوا بذلك رأوا متبوعيهم في المقامات المناسبة لهم فعلموا مصيرهم . وفرع على هذا قوله : فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ تفريع التفصيل لما أجمله قوله : نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ ، أي ومن الناس من يؤتى كتابه ، أي كتاب أعماله بيمينه . وقوله : فَمَنْ أُوتِيَ عطف على مقدر يقتضيه قوله : نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ أي فيؤتون كتبهم ، أي صحائف أعمالهم . وإيتاء الكتاب باليمين إلهام صاحبه إلى تناوله باليمين . وتلك علامة عناية بالمأخوذ ، لأن اليمين يأخذ بها من يعزم عملا عظيما قال تعالى : لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ [ الحاقة : 45 ] ، وقال النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « من تصدق بصدقة من كسب طيب - ولا يقبل اللّه إلا طيبا - تلقاها الرحمن بيمينه وكلتا يديه يمين . . . » إلخ ، وقال الشمّاخ : إذا ما راية رفعت لمجد * تلقاها عرابة باليمين وأما أهل الشقاوة فيؤتون كتبهم بشمائلهم ، كما في آية الحاقة [ 25 ] وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ . والإتيان باسم الإشارة بعد فاء جواب ( أما ) ، للتنبيه على أنهم دون غيرهم يقرءون كتابهم ، لأن في اطلاعهم على ما فيه من فعل الخير والجزاء عليه مسرة لهم ونعيما بتذكر